محمد بن جرير الطبري

157

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* - حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي هاشم ، عن مجاهد ، في قوله وهم لا يفتنون قال : لا يبتلون . فأن الأولى منصوبة بحسب ، والثانية منصوبة في قول بعض أهل العربية ، بتعلق يتركوا بها ، وأن معنى الكلام على قوله أحسب الناس أن يتركوا لان يقولوا آمنا فلما حذفت اللام الخافضة من لان ، نصبت على ما ذكرت . وأما على قول غيره فهي في موضع خفض بإضمار الخافض ، ولا تكاد العرب تقول : تركت فلانا أن يذهب ، فتدخل أن في الكلام ، وإنما تقول : تركته يذهب ، وإنما أدخلت أن هاهنا لاكتفاء الكلام بقوله أن يتركوا إذ كان معناه : أحسب الناس أن يتركوا وهم لا يفتنون ، من أجل أن يقولوا آمنا ، فكان قوله : أن يتركوا مكتفية بوقوعها على الناس ، دون أخبارهم . وإن جعلت أن في قوله أن يقولوا منصوبة بنية تكرير أحسب ، كان جائزا ، فيكون معنى الكلام : أحسب الناس أن يتركوا : أحسبوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) * . يقول تعالى ذكره : ولقد اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم ، ممن أرسلنا إليهم رسلنا ، فقالوا مثل ما قالته أمتك يا محمد بأعدائهم ، وتمكيننا إياهم من أذاهم ، كموسى إذا أرسلناه إلى بني إسرائيل ، فابتليناهم بفرعون وملئهم ، وكعيسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل ، فابتلينا من اتبعه بمن تولى عنه ، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من أعدائك فليعلمن الله الذين صدقوا منهم في قيلهم آمنا وليعلمن الكاذبين منهم في قيلهم ذلك ، والله عالم بذلك منهم قبل الاختبار ، وفي حال الاختبار ، وبعد الاختبار ، ولكن معنى ذلك : وليظهرن الله صدق الصادق منهم في قيله آمنا بالله من كذب الكاذب منهم بابتلائه إياه بعدوه ، ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه ، على نحو ما قد بيناه فيما مضى قبل . وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين عذبهم المشركون ، ففتن بعضهم ، وصبر بعضهم على أذاهم حتى أتاهم الله بفرج من عنده . ذكر الرواية بذلك : 21080 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول : نزلت ، يعني هذه الآية ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا . . . إلى قوله وليعلمن الكاذبين في عمار بن ياسر ، إذ كان يعذب في الله .